يسرنا أن نستضيف السيد سيدي محمد ددش على موقع الصحراء الغربية ومنه إلى العالم قاطبة

 

س.هل حدثنا عن ظروف وملابسات اعتقالك وكيف تصف معاملة العدو معك ؟.

 

ج. اعتقلت يوم 28.02.76 في معركة امكالا الأولى وقعت أسيرا لدى القوات المغربية بقيادة الكولونيل بنعثمان وبعض الضباط الآخرين من بينهم حبوها ولد لعبيد  القي على القبض جريحا –كسر بالرجل اليسرى  بعد معركة استمرت من الساعة الثالثة صباحا إلى الثانية والنصف زوالا .

وفي حدود الساعة السادسة من مساء نفس اليوم الحقوا بي احد المقاتلين وقع في الأسر هو أيضا و يدعى محمد عالي  ولد الكنتاوي  أصيب هو أيضا بكسر برجله اليمنى ، بقينا تلك الليلة أثناءها لم يتوقف القصف المدفعي لدى المقاتلين الصحراويين من منطقة تسمى كارة فوق كارة  . كان جليا بان الجنود المغاربة قد أصيبوا بارتباك و خوف عند نقلنا على متن سيارة عسكرية من نوع  ميموج كانت تتأرجح بطريقة تدل على ذلك الشعور . اثر ذلك علينا نحن أيضا بسبب جروحنا وكنا نتمنى الموت على تلك الحال التي نحن عليها وكنا نحس بعطش شديد .

وفي حدود الساعة الثالثة صباحا توقف القصف  قدم لنا احد الجنود بعض الماء وكنت أظن من لهجته انه احد الصحراويين الذين تم تجنيدهم قسرا بالجيش الملكي  وفي حدود الساعة السابعة صباحا وصلت مروحية تم نقلنا  على متنها بسرعة  ونحن مقيدين بالأصفاد  بالإضافة إلى بعض المدنيين الذين تم اعتقالهم من نواحي مدينة السمارة المحتلة .توجهوا بنا مقيدي الأصفاد مغمضي العينين إلى ثكنة عسكرية بمدينة السمارة تدعى التيرثيو  أو ايخرثيتو . خضعنا طيلتها للتعذيب ولاستنطاق بعده تم نقلنا إلى ثكنة الدرك الملكي حيث ازيحت عني عصابة 

كنا في غرفة ضيقة للغاية تكدسنا بها نحن عشرة أشخاص

 

س كلكم أسرى ؟

ج. لا ادري ، لكني اعتقد بأنهم لم يكونوا يرتدون أثناءها زيا عسكريا لكنهم خضعوا لنفس الأسئلة والاستنطاق الموجه لنا  كنت أنا وصديقى جريحين بينهم  واذكر أسماء بعضهم  بيدي ولد حمدي ولد النفاع و إبراهيم السالم ولد مولاي و شخص آخر لا اعرف اسمه الشخصي ولكن هو ابن الديد ولد سيدي سالم  هؤلاء مقاتلين فيما أتذكر اسم  احد المدنيين  حمنة ولد النفاع وثلاثة آخرين لم أتذكر أسماءهم وكلهم مدنيين .

مكثنا لمدة ثمانية أيام تحت التعذيب يتخللها كينا بالنار على وجوهنا بعدها نقلنا أنا وزميلي  إلى مدينة العيون المحتلة على متن طائرة عسكرية نحو ثكنة الجيش الملكي شمال مدينة العيون . كنا لانقوى على الحراك ولا نتحرك الا زاحفين لقضاء حاجتنا  بقينا لمدة 50 يوما تحت الاستنطاق تتبادل الحراسة  ونمنع من الذهاب للمرحاض

بعد انتهاء التحقيق والذي اشرف عليه ضابطين احدهما يحاول التحدث باللهجة الحسانية . بعدها تم نقلنا إلى زنزانة مظلمة نتنة ومتعفنة وأتذكر أني سمعت ضابطا يشير إلى احد عساكره من الحراس يقول إذا اقتربا منكم خمسة فالرأس بمعنى  أطلقوا خمس رصاصات في رأس كل واحد منهما في تلك الأثناء جئ بشخص متوفى وضعوه بيننا كنا نظن بأنه جريح معتقل مثلنا لأنه مغطى ببطانية عسكرية لكن عند طلوع النهار سمعنا أثناء تبادل الحراسة يقول الحارس المنتهية فترة دوامه يسلم حصيلة من بالزنزانة

اثنين جرحى والثالث متوفى

باليوم الثالث نقل الشخص المتوفى من الزنزانة إلى مكان نجهله ونقلنا نحن أيضا على متن سيارة إلى المطار ومنها عبر طائرة عسكرية من نوع 130 إلى مدينة اكادير  المغربية . قضينا مدة ثلاث أيام بمستشفى عسكري يدعى الكرنيزو بعدها تم نقلنا إلى مدينة مراكش التى وصلناها في حدود الساعة الواحدة ظهرا  عولجنا بمستشفى السينسي وهو مستشفى عسكري مخصص لاستقبال جرحى الجيش الملكي بحرب الصحراء بعدها تم تشديد الحراسة علينا حيث تم تكليف ستة جنود بحراستنا يترأسهم ضابط صف  كانوا يمنعونا من كالكلام مع أي كان والعكس صحيح

بعد إجراء عمليات جراحية بدأنا نتماثل للشفاء ،كنا ممنوعين من الزيارات .والأكل كان دون المستوى. أتذكر أننا طيلة الفترة كنا نستنطق من طرف ضباط تابعين للمكتب الثاني التابع للجيش الملكي المغربي. مكثنا بالمستشفى المذكور مدة أربعة أشهر نقلنا بعدها إلى قاعدة المنارة بنفس المدينة ، حيث تم تفريقنا على زنزانتين مظلمتين طول الواحدة منهما مترين وعرضها نصف المتر . بقينا مسجونين بالقاعدة العسكرية من سنة اعتقالنا 1976 إلى سنة 1978 واذكر بأننا وطيلة فترة الاعتقال كنا محرومين من رؤية الشمس كما كنا وعند قضاء حاجتنا تحت حراسة عسكريين مسلحين برشاشات

كان الشتاء بمراكش باردا جدا ولم يكن يسمح لنا بتغيير بدلتنا التي ظلت على أجسادنا طيلة فترة الاعتقال لدرجة أنها تآكلت من على ظهري .

مارس 1978 كان يوم السبت جاءنا احد العساكر ليخبرنا بنبأ الإفراج  وكأنه يفشي سرا خطيرا بعدها جاءنا حلاق ليحلق لنا رؤوسنا وصباح اليوم الموالي نقلنا على متن طائرة عسكرية وجدنا بها صحراويين بينهم نساء  وأطفالا صغارا يبدو أنهم كانوا معتقلين بالقاعدة العسكرية التي كان يرأسها عقيد بالجيش اسمه بوعمامة . وصلنا مطار مدينة العيون المحتلة حيث تم التوجه بنا إلى ثكنة الدرك الملكي وجدنا العديد من الصحراويين بينهم مقاتلين و مدنيين اغلبهم اعتقلوا أثناء رعيهم للماشية أتذكر أيضا انه وفي تلك الفترة كانت قوات الاحتلال المغربي تنظر إلى كل صحراوي على انه عدو و مطلوب  بل الأدهى من هذا كله أنها لاتفرق حتى بين المعتوه منهم من العاقل .

أتذكر أيضا أنني وجدت في تلك الثكنة شيخ صحراوي أصم يبلغ من العمر 75 سنة اسمه العالم ولد امبيريك  هذا الرجل اعتقل وهو يرعى غنمه بنواحي بوجدور وقد أصيب بما نسميه نحن بالمشاية وهو نزيف يسيل قيحا من ظهره جراء التعذيب الهمجي الذي تعرض له  كانوا مجموعة استقدمت من معتقل سري بافني بينهم من قضى نحبه داخل ذاك المعتقل .

عموما كان مجموع الأشخاص المعتقلين حوالي 118 شخصا حيث أعيد التحقيق معها من جديد من طرف كافة الأجهزة بعدها سيتم الإفراج بشكل مرحلي عن المعتقلين .

بقينا نحن 10 أشخاص  وخضعنا للمساومة بغية الإفراج حينها جاء ضباط ومسؤولين كبار ابلغونا بان الإفراج عنا مرتبط بمدى تعاوننا معهم  وإما سنعود لسجون أكثر رهبة مما كنا فيه .

كانت جبهة الحرب مشتعلة على واجهتين ضد النظام في المغرب من جهة ومن جهة أخرى ضد موريتانيا

س هل كانت المعارك بجبهات القتال حافزا للرفع من معنوياتكم وأملا بتحريركم أم العكس ؟

أثناءها كنا نحب العمل العسكري لدرجه كبيرة  ولم نفكر أبدا في أنفسنا بقدر ما كنا نفكر في قضيتنا ما كان يهمنا هو الانتصار فقط  فكرنا بشكل ملي كيف يمكن أن نفيد القضية ونحن أحرارا واهتدينا إلى إبرام صفقة مع المحتل بغية ذلك . ولكن شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى إقحامنا لمقاتلة رفاقنا وأبناء شعبنا .

تم الإفراج عنا يوم 10 أغسطس 1978  سلمونا بدلا عسكرية  حاولوا تدريبنا عسكريا لكنهم فوجئوا بقدرتنا الفائقة على الروح القتالية  الفارق بينا وبينهم هو المسميات حيث نحن نسمي أسماء عربية فيما هم يسمونها بالفرنسية أو الدارجة المغربية  

 

10 غشت 1979 عند ما يعرفposte 5  الموجود بالقرب من الحزام الناقل للفوسفاط قررنا نحن عشرة من الجنود الالتحاق بصفوف الجبهة حملنا الأسلحة الخفيفة وسيارات مجهزة بأجهزة الاتصال اللاسلكي .

تأكدت القيادة العسكرية من عزمنا ونوايانا لكن من حسن الحظ كان ذلك بعد خروجنا بمدة من الثكنة تبعونا وبدأو بقصفنا بسلاح 105 وهي قاذفات يصل مداها إلى حوالي 25 كلم حسب زعمهم  مجهزة برادار.

 وقع عطب بسيارة احد الرفاق تكاثفنا من اجل إصلاحه. كنا حينها مقسمين كل اثنين في سيارة وكان برفقتي  معطى الله ولد الحاج ولد الزاوي الذي استشهد بعد إصابة سيارتنا بقذيفة أصيبت أنا بجروح خطيرة على مستوى الكتف والأضلع.

 رفاقنا الآخرين وصلوا إلى الجبهة بسلام.

 حاولت التحرك لكني لم استطع خاصة أنني مصاب سابقا.

وصلت الوحدات المتنقلة إلى عين المكان بناءا على إشارات جهاز الرادار حيث وجدتني جريحا ووجدت رفيقي جثة هامدة. نقلت إلى ثكنة الدرك الملكي مرة أخرى حيث مورس على شتى أنواع التعذيب بما في ذلك إيصالي بصعقات كهربائية طيلة 17 يوما كانت هي فترة استنطاقي بالثكنة المذكورة محروما من تناول الطعام والشراب حتى شارفت على الموت بسبب العطش

ماكان يبعث في الأمل هو أنني كنت مسجلا لدى الصليب الأحمر الدولي كأسير حرب  نقلت بعدها إلى مدينة القنيطرة  شمالي الرباط في طائرة عسكرية من نوع 130 كنت مقيدا بالأصفاد بالرغم من خطورة حالتي الصحية . وصلنا حوالي السادسة مساءا حيث نقلت إلى ثكنة الدرك الملكي  بالمدينة تزامن وصولي إلى المدينة مع معركة بير انزران الشهيرة  وقتها كان رجال الدرك بتلك الثكنة يشاهدون  خطاب الحسن الثاني على جهاز تلفاز

تأكدت من سنحات الحسن الثاني ومن اعترافاته بفقدان الجيش طائرتين عسكريتين وعدد من الجنود حجم وفداحة الخسائر التي تكبدها المغرب في هذه المعركة بعدها قدمت إلى قاضي عسكري اسمه السكيرج بالمحكمة العسكرية بالرباط ولما اطلع على الملف استشاط غضبا في الدركيين وقال بأنه غير معنى بقضيتي أعادوني إلى السجن العسكري بمدينة القنيطرة حيث وجدت أشخاص بالغي القساوة  

بقيت لمدة سبعة أشهر بهذا السجن حيث كانت المعاملة قاسية جدا والأكل نادر وعندما طلبت معالجتي رفض الطبيب العسكري معالجتي حتى يصدر حكم قضائي بحقي

يوم السابع من ابريل 1980 سيتم تقديمي للمحكمة التي أصدرت حقي حكما بالإعدام

 

س ماهو شعورك أثناء ولوجك إلى قاعة المحكمة ؟

 

كل شئ كان محتملا، كنت اعتقد بأنه سيحكم علي بثلاثين سنة، بالمؤبد، بل حتى الإعدام ولم أكن استبعد الإفراج عني، خاصة أمام اشتداد المعارك لان المغرب يمكنه أن ينخرط في أية عملية سياسية آنذاك .

من جانب الدفاع عني حضر السيد خالد السفياني بعد المنادة علي والتأكد من هويتي تلا القاضي التهمة الموجهة إلى وهي الفرار نحو الثوار بسلاح وعتاد الدولة شجعت نفسي كثيرا وقلت بان المسالة مسالة حياة أو موت إن مت ، مت من اجل قضية استشهد من اجلها العديد وكل من كان من حولي هم عسكريين باستثناء محامي الدفاع

تأكدت من خلال المعطيات بان الحكم سيكون قاسيا جدا  دافعت باستماتة عن مواقفي دون أن أتنازل عن قناعاتي ومبادئي  قلت لهم بأننا دافعنا وحملنا السلاح ضد المستعمر الاسباني  وسنحمله ضد كل معتد هذه هي مبادئنا نحن لانطمع في ارض الغير لا في موريتانيا ولا في المغرب ولا حتى في المحيط

وأردفت قائلا

نحن الصحراويين تفاجئنا بتزامن مع انسحاب اسبانيا من بلدنا فوجئنا بقوات غريبة تدخل بلدنا وتنتهك حرماته فنحن نمتلك الحق، كامل الحق في الدفاع عن أرضنا.

سألني عن رتبتي العسكرية أجبته بأنه لا رتبة عسكرية لدي، أنا مقاتل في صفوف الجبهة فقط.

وبعد نقاش مستفيض طالب المدعي العام تطبيق الفصل 14 من القانون العسكري المغربي ، لم أكن اعرف حينها  فحواه وأضاف بأنه يجب التعامل معي كعدو وليس كجندي متمرد

 بعدها رافع السيد السفياني عني والذي أبقى ممتنا لدفاعه في تلك الفترة الحرجة .

انتظرنا لمدة ساعة من الزمن من اجل النطق بالحكم

وفجاءة وفي اقل من دقيقة تلا القاضي منطوق الحكم بالإعدام وطوى الملف بسرعة وخرج.

 قيدت بسرعة من طرف رجال الدرك وتم نقلي إلى السجن المركزي القنيطرة  مدير هذا السجن رفض استقبالي حتى تأتيه إشارة من مركزية السجون

بقينا في انتظار لمدة ساعة من الزمن، قبل أن يسمح لي أن ادخل عالم جديد، كتب على أن أعيش فيه محكوما بالإعدام، عالم السجون والملل والوحدة.

اخبرني بعض الحراس باني ساجد أناس قضوا أكثر من ثلاثين سنة في هذا السجن

دخلت الحي المخصص للمحكومين بالإعدام جاءني مدير السجن ليسألني عن حاجياتي أجبته باني بحاجة إلى مصحف .

  الزنزانة المخصصة لي كتب على بابها الحديد انتبه إليه جيدا بقيت في تلك العزلة الموحشة مدة ستة أشهر

 

س كيف كان إحساسك تلك الفترة ؟

 

كنت أتوقع تنفيذ الإعدام في أي لحظة خصوصا أن الحراسة لم تنقطع في أي لحظة بالمقابل كنت خفيف النوم أثناءها  وما كان يثير فضولي هو معرفة الطريقة التي يمارسها المغرب لإعدام المحكومين

كان القران الكريم هو أنيسي في تلك الفترة وكان يشدني كثيرا قول الخالق سبحانه وتعالى  " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون "

احد حراس السجن آنذاك منحني مجلة الوطن العربي وبها موضوع عن طريقة تعامل الحرس الثوري الإيراني مع معارضي أية الله الخميني  بما يطلق عليه رصاصة الرحمة .و مقالة أو خبر أخر بنفس المجلة عن ذو الفقار علي بوتو عندما وقع انقلاب عليه وحكم بالإعدام وطلب منه أن يطلب العفو من الجنرال ضياء الحق أجابهم بأنه لايطلب العفو ولكن يطلب العدل

طلب مني أنا أيضا أن استعطف الملك في رسالة اطلب فيها العفو .لكن ضميري، وبالرغم من المعاناة التي أضعها أمامي والتي قد تنتهي بإعدامي أو قد تطول لطول سجني كنت دائما أضع مصالح شعبي وقضيته العادلة أمام عيني

ما كان يهمنى هو أني سأموت من اجل قضية وشعب  وليس لمساعدتي كمرشد لقوة احتلال أجنبية لبلدي

       قد يكون الملل بالفعل جزء من المعاناة داخل السجن، ولكني اعتقد بأنها فرصة أمام أي كان لمراجعة نفسه والتأمل في تاريخ أناس وضعوا أنفسهم في خدمة شعوبهم  أولئك المقاتلين البطال الذين فضلوا الشهادة على حياة الذل وحكم الأجنبي الملل الحقيقي هو أن تعيش بل مبادئ أن تعيش بمال وضميرك غير مرتاح      

 

بعد انقضاء ستة أشهر في عزلتي الانفرادية اخبروني بأنه سيتم إدماجي مع حوالي ثمانيين شخصا محكومين بالإعدام  هؤلاء جميعا من معتقلي الحق العم باستثناء اثنين أتذكر الأول وهو احد المناضلين اليساريين يدعى احمد الخياري (ينحدر من منطقة سوس)  القي عليه القبض بعد المحاولة الانقلابية لسنة 1972  ورفيقه المالكي عبد الله (ينحدر من قرية ثلاث الأخصاص جنوبي مدينة تيزنيت)

حاولت في البداية أن اربط الاتصال بهما علي أجد بعض الأخبار والمستجدات بالخارج لكن كان يمنع على الجميع التجمع من اجل الحديث وكنت عندما أحاول أن اقترب من أي كان ينهرني حراس السجن وأعود إلى مكاني

أتذكر أيضا أني وفي مرحلة ما سأدمج مع شخصين متهمين باتخاذ الأطفال كرهائن بمدينة الدار البيضاء من اجل الحصول على فدية مالية بعض أولئك الأطفال توفوا أثناء فترة الاحتجاز قضيت حوالي أربعة عشر يوما مع هؤلاء  نفذ بحقهم الإعدام وكانت هي المرة الأولى التي احضر فيها حكم الإعدام  فيما تم نقلي أنا إلى زنزانة انفرادية من جديد  

 

س هل رأيت بعينك تنفيذ الحكم ؟

لا ولكنهم جاءوا إلى زنزانتهم في المساء كانوا حوالي ثلاثين شخصا، كان يصرخ وعندما وصلوا بجانب غرفتي ناداني باسمي على أساعده  لكني لا حول لي.

سالت بعدها عن طريقة الإعدام قيل لي أنها بالرصاص.

مضينا مدة الشهرين كنا جميعا دورنا في الإعدام قيل لنا بان لائحة الإعدام فتحت. كان الخوف يخيم على الجميع وكانت الساعة السابعة مساءا هي فترة الإعدام المفضلة لدى سلطات السجن فيما كانت وجوه السجناء تتغير في تلك اللحظات

بين السجناء من كان لايستطيع النوم  بينهم من كان يقيم الصلاة وبينهم من كان يدخن كثيرا

س. وكيف كنت أنت في تلك اللحظات ؟

أنا في الحقيقة كان يلازمني السهر ولكني كنت ارضخ إلى النوم في الأخير كنت أقيم الصلاة في أوقاتها لكن الأمور كانت كما ذكرت لك تمر بشكل عادي للاعتبارات التي ذكرتها لك سالفا

قضيت فترة 14 سنة في حي الإعدام  منذ 1980 إلى 1994  انتظر حكم الإعدام في أي لحظة ولك أن تتصور  كنت أفكر دائما في الإعدام لسبب بسيط وهو أن لم يكونوا يريدون إعدامي فلم لايغيرون الحكم

في بداية التسعينات قيل لي أن اسمي أدرج عند العديد من المنظمات الحقوقية  الدولية  وكنت اعتقد بانها ستقف عائقا أمام تنفيذ هذا الحكم وكنت أقول دائما بان الله سبحانه وتعالى فوق كل شئ وما شاء فعل

ولكن في الحقيقة وطيلة تلك المدة هاجس الخوف لم يفارقني  وكانت كل حركة خارج زنزانتي  تثير شكوكي  لدرجة أنني أتذكر كل ماوقع في تلك الليالي بل حتى حركة القطط أيضا

س قلت انه لم يسمح لك بالاتصال بالشخصين المحكومين بالإعدام هل سمح لك فيما بعد ذلك ؟

السيد الخياري هو شخص حماسي ومناضل مغربي عندما ذكرت له حاول قدر المستطاع أن يربط الاتصال بي  أحيانا يشير لي بيده أثناء مروره من زنزانتي  وأحيانا أخرى  وعند مروره من أمامي يقول لي بان المعارك في الصحراء لازالت مستمرة  ويقول لي نحن كلنا معكم

وفي إحدى المرات عرضنا على طبيب خاص لفحص الرئة أثناءها انتشر مرض بالسجن وقتل العديد من السجناء وكان المحكومون بالإعدام الأكثر أسبقية في العلاج

كانت فرصة للالتقاء والحديث مع السيد الخياري الذي مدني بالعديد من المعلومات . كان السيد الخياري المحكوم الوحيد بالإعدام الذي يسمح له المبيت ليلتين في الأسبوع مع السجناء في الأحياء الأخرى وذلك لقوة المعتقلين من رفاقه يرأسهم ابرهام السرفاتي  الذين كانوا ينظمون إضرابات عن الطعام وأشكال احتجاجية أخرى كانوا حوالي 140 شخصا . كان كل شي ممنوعا عني كان يمدني بالجرائد بشكل سري

السجين يحاول قدر المستطاع أن يحصل عما يجري خارج أسوار السجن من خلال الجرائد أو جهاز الراديو أو غيرها من مصادر المعلومات لكن كل ذلك بشكل سري. حيث خارج هذا الإطار يؤدى الثمن غاليا جدا 

اذكر انه منتصف الثمانينات وجد عندي جهاز راديو كانت العقوبة قاسية، استنطقت حول من أعطاني الجهاز فرفضت  مكثت لمدة عشرة أيام بالكاشو.

  والكاشو هي زنزانة لايتسع لك أن تقف. طولها اقل من متر وعرضها مترين تقريبا   ويدي مقيدة بالأصفاد مع جدار . ولسوء الحظ كان شهر  تشرين الثاني جانفيي  بمعنى البرد كان قارسا .

إذا وقع صدام بينك وبين حارس السجن ففي كل الأحوال أنت هو المعتد

لا أريد أن أنسى نقطة مهمة  لسردها وهي أني كنت اطلب معالجتي من جراح الكتف الان الجواب كان دائما بالرفض كان يقال لي بداية حتى يصدر بحقى حكم من المحكمة ولم وقع الحكم قيل لي بان العقوبة قاسية ولا يسمح لي العلاج أو أي  شئ  لم يكن الخروج من السجن إلا جثة هامدة   وقد شفي كتفي باعوجاج ولايزال يؤلمني لحد الساعة

هناك جزيئات مهمة وأحداث لا يمكن نسيانها أخي الكريم من قبيل أنني طيلة فترة سجني سنة كنت في زنزانة انفرادية

زنزانة طولها 3 متر وعرضها مترين نافذة صغيرة إنارة ضعيفة بطانيتين عسكريتين  أواني من البلاستيك وصحن من الالومنيوم

الأكل كان عبارة عن قطنيات  كحمص عدس لوبيا  ولم يكن الطهي بشكل جيد مما كان يؤثر على صحة السجناء 

خضت معارك عديدة  كالإضراب عن الطعام التي وصل أولها إلى 46 يوما  كان مطلبي تحسين تغذيتي خصوصا أني محروم من الزيارة   وبعض المطالب الأخرى

أتذكر انه واستجابة للضغوط الأجنبية خاصة تقرير منظمة العفو الدولية سنة 1990 والمتغيرات الدولية اضطر الحسن الثاني للاستجابة لبعض تلك المطالب وكان حينها قد أسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي رأسه حينها السيد ميكو .

في وجهة نظري أن من اعتقل في تلك الظروف القاسية  اعني في السبعينات والثمانينات بل حتى بداية التسعينات  عانوا الكثير جدا

لأنهم قضوا  مددا طويلة في الاعتقال  بدون أكل ولا لباس بل حتى رؤية الشمس بالقدر الذي يكفى  وانقطاع الاتصال بالخارج ومن بينها وسائل الإعلام بالطبع.

 لم يكن أمامهم إلا أربع جدران كما يقال  وأمام حراس لايرحمون  

حراس مشحونين، يتعاملون مع الصحراويين كأعداء وأنا استغرب كثيرا من هؤلاء لعدم تدوين معاناتهم   وإذا ما حكى لك احد الناجين من جحيم اكدز ومن بينها قلعة مكونة ودرب مولاي الشريف والبيسي سيمي  وفي التيرثيو فالعيون والطنطان  وفي السمارة أيضا  فانك لا تستطيع أن تكمل الاستماع لمعاناتهم .

وما أن يحكوا لك عن رفاقهم ممن استشهدوا من شدة التعذيب أو الجوع حتى تتألم كثيرا

اغتنم هذه الفرصة لأوجه نداءا إلى هؤلاء جميعا ، للظهور، وان يستغلوا وسائل الإعلام لفضح الاحتلال من خلال شهاداتهم الشخصية أو عن رفاقهم الشهداء . ومن يكتم الشهادة قلبه آثم

لقد انتهى عهد الصمت .....

 

س كيف كانت علاقتك مع المعتقلين السياسيين المغاربة ؟

كانت بداية اتصالتي كما ذكرت أنفا مع السيد لخياري الذي كان حلقة الوصل مع مجموعة إلى الأمام بزعامة السيد السرفاتي  كانوا يقطنون بحي ألف 1  الشخص الذي كان يمدني بتلك المعلومات عن طريق السيد الخياري هو احد المناضلين اليسارين يدعى عبد الله زعزاع

 كانت معاملتهم معي معاملة رفاقية لم يكونوا يبخلون علي بالمعلومات ولا بالدعم المادي أو المعنوي وغامروا معي كثيرا  بل أتذكر أيضا انه عندما وقع خلاف بين السيد السرفاتي وبنزكري  كنت أثناءها بحمام السجن  سمع حارس السجن يناديني باسمي  مطالبا بإنهائي بسرعة  نادني السيد بنزكري  وقال لي هل أنت هو ددش قلت نعم  وعاتبني كثيرا  قال لي يارفيقي أنت تضرب عن الطعام ولا تتواصل معنا كي نتواصل نحن بدورنا مع المنظمات الدولية

عندما فتحت إضرابي عن الطعام أرسل السيد السرفاتي اثنين من رفاقه احدهما يدعى حسن الأكحل والأخر عمر بدعاوي  احضرو لي مبلغا ماليا كبيرا لم أعده لأني بكل بساطة لم أخذه  احضروا لي بعض الجرائد وبعض الحاجيات الأخرى  حقيقة وللتاريخ كانوا سندا متينا في تلك اللحظات الحرجة  كان ذلك في سنة 1993 .

ربطت أيضا العديد من العلاقة  مع السيد لمصدق عبد الحق العضو الحالي بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمغرب ومع السيد سعيد الطبل وزوجته زليخة  التي كانت تزوره باستمرار بالسجن

والفضل يعود للسرفاتي أيضا في علاقتي بالعديد من الفرنسيين الذين لم يبخلوا على بالدعم المادي والمعنوي واذكر انه كانت هناك جريدة تصدر من فرنسا تعنى بالمعتقلين السياسيين بالمغرب بغض النظر عن جنسياتهم سواء كانوا صحراويين عربا  أفارقة أو غيرهم   كانت قد نشرت مضمون قضيتي

هناك من المناضلين المغاربة من يذهب إلى أكثر من حق تقرير المصير بل يؤكد على حق الشعب الصحراوي في الاستقلال التام . ويعتقدون بان خير المغرب واستقراره يأتي عبر منح الصحرا